سلط تقرير نشره موقع "أوراسيا ريفيو" الضوء على الانقلاب على الدكتور محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب في يوليو 2013، بعد عام من وصوله إلى السلطة. 

 

وقال الدكتور حبيب صديقي ردًا على على من يحتجون بـ "فشل مرسي" إن "هذا الحكم يحجب حقيقةً مُرّة: ففي ظلّ القيود الهيكلية التي تُعاني منها مصر، ووجود "دولة عميقة" راسخة، والمعارضة المُنسّقة من قوى إقليمية رئيسية، لم يكن بوسع أيّ زعيم مُنتخب - إسلامي، أو ليبرالي، أو تكنوقراطي - أن يُحقق الاستقرار الاقتصادي لمصر أو يُرسّخ الديمقراطية في غضون اثني عشر شهرًا. كانت النتيجة مُحدّدة سلفًا". 

 

وأضاف: "هذا ليس تبرئةً من أخطاء مرسي السياسية، بل هو مُحاسبةٌ للنظام الذي ابتلعه. والوثائق الآن حافلة بالأدلة: لم يتخلَّ الجيش المصري وحلفاؤه المؤسسيون عن السلطة الحقيقية قط؛ وامتنعت دول الخليج المُعادية لجماعة الإخوان المسلمين عن تقديم مساعداتٍ فعّالة حتى وصول رجل قويّ مُفضّل؛ وهلّل الداعمون الخارجيون لهذا التغيير في الموقف بينما شلّ الاستقطاب الداخلي الحكم. لقد كان "الفشل" مُدبّرًا". 

 

اقتصاد منهار قبل وصول مرسي


ورصد الكاتب الأوضاع الاقتصادية في مصر قبل وصول مرسي إلى السلطة، قائلاُ: "بحلول منتصف عام 2012، كان الاقتصاد المصري يعاني من التدهور، حيث تراجعت السياحة بعد ثورة 2011، وتراجعت الاستثمارات الأجنبية، ونُهبت الاحتياطيات، وارتفع دعم الوقود والقمح بشكل كبير". 

"
"ولخّص محللو معهد آسان الوضع بإيجاز: تدهورت جميع المؤشرات الاقتصادية تقريبًا بين عامي 2012 و2013، وكاد الاقتصاد أن "يعتمد على القروض المالية فقط"، إذ أدى عدم الاستقرار السياسي إلى عزوف المستثمرين. هذا الوضع القاتم بالغ الأهمية: لم يُدمر مرسي الاقتصاد المصري، بل ورث اقتصادًا مُنهارًا"، كما ينقل الكاتب. 

 

ورأى أن ما زاد الأزمة تعقيدًا، "افتقار مصر إلى إطار حكم مستقر. فقد حل القضاء البرلمان الذي كان يهيمن عليه الإسلاميون قبل تولي مرسي منصبه؛ وتأخرت البيروقراطيات والشرطة في تنفيذ توجيهات الرئيس أو قاومتها بشكل صريح. وتوحدت "الدولة العميقة" (الجيش والشرطة والقضاء وكبار أجهزة السلطة التنفيذية) في صفوفها، وهو تقارب وثّقه الباحثون والصحفيون على حد سواء. وفي ظل هذه الظروف، حتى الإدارة الاقتصادية الروتينية (ناهيك عن الإصلاح) كانت مهمة شاقة لا طائل منها". 

 

مكاسب الجيش 


ووصف صديقي القوات المسلحة المصرية بأنها "ليست مجرد مؤسسة أمنية، بل هي إمبراطورية اقتصادية مترامية الأطراف. فقد رسّخت عقود من حكم ناصر والسادات ومبارك جيشًا ذا مصالح تجارية واسعة ونفورًا عميقًا من الرقابة الديمقراطية".

 

واستشهد في هذا الإطار بدراسة حديثة صادرة عن مطبعة جامعة أكسفورد، إذ يُبيّن عالم السياسة شاران جريوال كيف كان للجيش "الكثير ليخسره" جراء التحول الديمقراطي، فعمل بنشاط على استقطاب القوى المدنية وتدخل عندما رأى أن جماعة الإخوان المسلمين تتحرك بسرعة كبيرة بما يتعارض مع صلاحياته. لقد كانت تجربة مرسي محصورة بمؤسسة كانت في آن واحد مشاركًا في السوق، ومُنظمًا، وحكمًا نهائيًا على النتائج السياسية. 

 

وبحسب ما نقل عن موقع "ميدل إيست آي"، فقد صرّح أحد كبار مساعدي مرسي بأنّ الجنرال عبدالفتاح السيسي كان يُحضّر للانقلاب قبل أشهر. فقد كان يعقد اجتماعات أسبوعية مع قادة المعارضة في نادي القوات البحرية، وأصدر إنذارًا نهائيًا مدته 48 ساعة فاجأ الرئاسة.

 

وقال إنه "لم يكن هذا ردًّا من الجيش على الشارع، بل كان الجيش يُشكّل الشارع ثم يدّعي حُكمه". 

 

السخط الشعبي 

 

ووضف الكاتب الاحتجاجات الجماهيرية في يونيو 2013 بأنها كانت واسعة النطاق بلا شك، "إذ عكست الغضب من التدهور الاقتصادي واتهامات جماعة الإخوان المسلمين بتجاوز صلاحياتها. حتى أن وثائق الانقلاب تُشير إلى احتجاجات يونيو 2013 باعتبارها السبب المباشر لعزل مرسي". 

 

وتابع: "مع ذلك، لا يُمكن تفسير سلوك الدولة بحجم الاحتجاجات. فعندما تكون الانتخابات والمؤسسات هشة، يُقرر من يملك السلاح والميزانية كيفية "قراءة" الشارع. في مصر، اعتبر الجيش الغضب الشعبي تفويضًا لإلغاء حكومة منتخبة، وتعليق الدستور، وإعادة هندسة المشهد السياسي". 

 

علاوة على ذلك، ذكر الكاتب أن الاستقطاب لم يكن وليد الصدفة. إذ يرى تحليلٌ أجرته وحدة الديمقراطية الاجتماعية أن الفاعلين الديمقراطيين المحتملين في مصر - جماعة الإخوان المسلمين والليبراليين العلمانيين - وقعوا في صراع ثقافي، حيث قلّ تعاونهم فيما بينهم، وازداد تعاونهم مع أدوات النظام القديم. ونتج عن ذلك فراغٌ مدنيٌّ استغله الجيش، وسط ترحيبٍ من كثيرين ممن خافوا من خصومهم أكثر من عودة الاستبداد. 

 

الدعم الخليجي 


ورصد الكاتب أنه خلال فترة حكم مرسي التي امتدت عامًا، لم تُقدّم السعودية والإمارات والكويت سوى القليل من الدعم الكبير الذي كانت مصر بحاجة إليه، بينما حافظت قطر - وحدها بين دول الخليج - على استقرار ميزانية مصر من خلال شراء مليارات الدولارات من السندات المصرية وتقديم القروض. كان ذلك بمثابة شريان حياة وحيد وغير كافٍ. 

 

لكنه أوضج أن كل شيء تغير في غضون ساعات من الانقلاب: فقد تعهدت السعودية والإمارات بتقديم 8 مليارات دولار على الفور تقريبًا، وأضافت الكويت 4 مليارات دولار. 

 

وعلى مدى السنوات الثلاث التالية، قدمت دول الخليج الثلاث نحو 30 مليار دولار في شكل منح وودائع وشحنات نفطية لدعم نظام السيسي. 

 

وتشير تقديرات لاحقة إلى أن إجمالي الدعم الخليجي منذ عام 2013 تجاوز 100 مليار دولار، وهو رهان استراتيجي على مصر بقيادة الجيش على حساب أي تجربة ديمقراطية مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، بحسب كاتب التقرير. 

 

ويذهب معهد تشاتام هاوس إلى أبعد من ذلك: تشير تسجيلات مسربة من وزارة الدفاع وشهادات مسؤولين أمريكيين إلى أن الإمارات العربية المتحدة مولت حركة تمرد، التي حشدت الحراك المناهض لمرسي، في حين أن التمرد نفسه كان "مدبرًا من قبل شخصيات على صلة بالجيش". بعبارة أخرى، لم يقتصر مسار الأموال على ما بعد الانقلاب فحسب، بل امتد إلى الاحتجاجات التي شرّعته، وفق صديقي. 

 

مع ذلك، رأى أن دعم منطق أبوظبي والرياض للانقلاب كان متسقًا، لأن فوز جماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات هدد نموذجهم الملكي في الداخل. وكما تشير تشاتام هاوس، فإن معارضة ولي عهد الإمارات محمد بن زايد الشديدة لجماعة الإخوان المسلمين تُرجمت إلى دعم كامل - مالي وسياسي - للنظام الجديد الذي يقوده السيسي. كانت المساعدات بمثابة حافز وعقاب في آن واحد: معاقبة مصر ومكافأة أخرى. 

 

الموقف الإسرائيلي - الأمريكي 


من جانبها، نظرت إسرائيل إلى الإطاحة بمرسي نظرة إيجابية؛ إذ تُدرج وثائق الانقلاب إسرائيل ضمن الدول التي دعمت الاستيلاء على السلطة، وقد تفاخر عميد إسرائيلي لاحقًا بأن إسرائيل عملت دبلوماسيًا لضمان صعود السيسي - وهي مزاعم نفاها مسؤولون إسرائيليون، لكنها تتفق مع التفضيل الأمني لإسرائيل لشركاء عسكريين يمكن التنبؤ بتصرفاتهم في القاهرة. ومهما كان المدى الدقيق للتدخل، فقد كان التوافق السياسي مع نتيجة الإطاحة بمرسي واضحًا. 

 

وذكر أن الحكومة الأمريكية أيدت القمع الجماعي المستمر، حيث زعم وزير الخارجية جون كيري أن الجيش كان "يعيد الديمقراطية". 

 

هل كان بإمكان مرسي أن يفعل أي شيء؟

 

رأى صديقي أن لا يوجد الكثير مما كان من شأنه أن يغير النتيجة الأساسية في غضون عام، عازيًا ذلك إلى مجموعة من الأسباب:
 

أولًا، يتطلب تحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي وقتًا وتوافقًا سياسيًا. وتأتي برامج صندوق النقد الدولي مصحوبة بسياسات تقشفية، وترشيد الدعم، وتعديلات في العملة، وهي خطوات تُفقد الشعب شعبيته حتى في الأنظمة السياسية المستقرة. 

 

ونقل في هذا الإطار عن معهد آسان، أن الإصلاح الاقتصادي في الديمقراطيات الناشئة هو "المهمة الأكثر إلحاحًا والأكثر صعوبة في الوقت نفسه"، وهي مهمة لم يحظَ مرسي قط بالتحالف، أو الدعم المؤسسي، أو الهدوء السياسي الكافي لمحاولتها. 

 

ثانيًا، كان الإصلاح الحقيقي يتطلب فحصًا دقيقًا للاقتصاد العسكري - فرض الضرائب عليه، ومراجعة حساباته، وإخضاعه للرقابة المدنية. كان ذلك خطًا أحمر. 

 

وكما يُبين جريوال، فإن إرث الجيش المصري جعله ينفر من الديمقراطية الحقيقية، وبمجرد أن رأى أن مصالحه الأساسية مهددة - أو حتى معرضة للخطر على المدى البعيد - تدخل بحزم. 

 

ثالثًا، حتى أبسط أشكال الحوكمة تعثرت وسط تخريب مؤسسي. رفضت الدولة العميقة الخضوع للحكم: ألغى القضاء المكاسب البرلمانية؛ وتراجعت الشرطة في كثير من الأحيان؛ وأبطأت البيروقراطية عملية التنفيذ، وفق التقرير. 

 

تُبرز مجلة "جاستور ديلي" كيف مكّنت هذه المعوقات الحكومية من حدوث ثورة مضادة قبل يوليو 2013 بفترة طويلة. ولا يستطيع رئيس يفتقر إلى أدوات قسرية موثوقة، ولا شريك تشريعي، ولا احتياطي مالي، تحقيق النمو أو النظام. 

 

رابعًا، حتى لو لجأ مرسي إلى ائتلاف واسع، فإنّ الداعمين الأجانب لم يتزعزعوا. فقد ظلّ تدفق الأموال الخليجية محدودًا خلال فترة حكمه، ولم يتدفق بغزارة إلا بعد سقوطه. ولم تفلح أي حملة علاقات عامة في تغيير قناعة الأنظمة الملكية بأنّ صعود الإخوان المسلمين نحو الديمقراطية كان خطرًا. لقد حُكم عليه، وأُدين بالفوز. 

 

الديمقراطية لم تفشل، بل كانت مُهزومة

 

واستنادًا إلى الأوضاع السلبية المحيطة بحكم الرئيس المنتخب، قال كاتب التقرير إن "الديمقراطية لم تفشل، بل كانت مُهزومة".

 

مدللاً بالدعم السخي من دول الخليج، إذ أرسلت دول الخليج في الأشهر الثمانية عشر الأولى التي أعقبت الانقلاب 23 مليار دولار، على شكل منح وودائع ووقود إلى مصر السيسي، وهو ما كان بمثابة الأكسجين اللازم للاستقرار الذي حُرم منه مرسي. 

 

وفي وقت لاحق، أحصت مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام إجمالي الدعم الخليجي منذ عام 2013 بعشرات المليارات، مع تقديرات تتجاوز 100 مليار دولار عند احتساب الودائع وشحنات النفط والاستثمارات. الدولارات ليست مجرد حجج، بل هي قرارات. إنها تُظهر لنا أي مصر كانت المنطقة مستعدة لدعمها. 


https://www.eurasiareview.com/03022026-morsis-fall-power-resistance-and-the-egyptian-deep-state-oped/